محمد بن جعفر الكتاني

113

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

[ 34 - سيدي عبد اللّه بن إبراهيم القلّيز ] ( ت : 1093 ) ومنهم : الولي الزاهد ، المتقشف العابد ، ذو الكرامات العديدة ، والمناقب الحميدة ، الملامتي ؛ أبو محمد سيدي عبد اللّه بن إبراهيم بن هلال الشهير بالقليز ، ( بفتح القاف أوله وتشديد اللام ، فياء ساكنة ، فزاي ) ، كذا ضبطه في " النشر " . ينتسب في الطريقة - فيما ذكره العلامة سيدي العربي بن الطيب القادري - لسيدي أحمد بن عمر الشريف البهلول دفين داخل باب الجيسة . وذكر بعضهم أنه أخذ عن سيدي محمد بن أحمد الحرار عن الشيخ سيدي أحمد بن علي السوسي البوسعيدي المشتوكي دفين الكغادين من داخل باب الفتوح . ووقعت له قضية مع سيدي أحمد بن عبد اللّه معن الأندلسي ، نفعنا اللّه بجميع أوليائه . وقد ترجمه الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن يعقوب الولّالي في " مباحث الأنوار " آخر عده لمن لقي من الأخيار . فقال فيه ما نصه : « الزاهد الأوفى ، والمتعبد الأصفى ؛ الفقير : عبد اللّه يلقب : قليز ، كان زاهدا في الدنيا ، ولا يلبس في الغالب إلا المصبوغ ، ويخبر بالغيوب كثيرا ، وكان أول ملاقاتي له : أني دخلت المسجد الأعظم بالزاوية البكرية ، في وقت خلوة ، وذلك بعد صلاة العصر ، فرأيته وحده وهو في ثياب رثة مستقبل القبلة ، ساكنا كالمتفكر ، ثم غلب عليه البكاء ؛ فبكى بكاء شديدا ؛ فتقربت إليه لألتمس منه البركة ، فلما زاحمته في طلب الدعاء ؛ قال لي : إنك [ 107 ] لا تدري ما أبكاني . كأنه يقول تسترا : لعله بكاء دنيوي ! » . « ثم رغبت في معاشرته ؛ فلما خضت معه مرارا ؛ فتح اللّه تعالى قلبه لي ، وقد كان يتمنع متسترا ، فأخبرني بغيوب قلبية ووصاني بوصايا ، وأخبرني بغيوب تقع ، ووقعت بعد إخباره بزمان ، وقلت له يوما : إني أحبك . فقال لي : عندي من يجازي في الدنيا بالإحسان وفي الآخرة بالجنة . وكان لا يقبل الهدية من أحد ، حتى إنه لما ظهر أمره عند الناس ؛ أعطاه إنسان شيئا مستشفعا في قبوله بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم فأبى ، فأنكرت في نفسي ، واستتعظمت أن لا يقبل بعد سؤال القبول بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وقلت له : لم لا تقبل وقد قدم إليك النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؟ ، فقال لي : اسكت ؛ النبي صلّى اللّه عليه وسلم هو الذي قال لي : لا تقبل . . . » . « ولقي الجلة من صالحي فاس ؛ مثل الزاهد الغريب في زهده ، العالم الأشهر الشيخ أحمد بن علي السوسي الهشتوكي ، والعارف باللّه الأعظم ، الشيخ محمد بن عبد اللّه الأندلسي المتقدم ذكره - أي في كلامه - وغير واحد . ولم يزل على حاله من التقشف والانقطاع حتى مات ، ودفن بداره بفاس ، بوصية منه ، إلا أنه اعتراه في آخر أمره ما هو كالغيبة عن المعاملة العقلية ، فيحتمل - واللّه أعلم - أن يكون ذلك منه تحامقا للتستر . على عادته في المبالغة في التستر . . . » . انتهى كلامه .